اسماعيل بن محمد القونوي
452
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( فتستحق به العبادة ) إذ استحقاق العبادة لا يكون إلا بالخلق أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ [ النحل : 17 ] وهو جواب الاستفهام فيكون منصوبا وفيه إشارة إلى أن المراد بهذا الكلام ابطال استحقاقهم العبادة وتقرير التوحيد اثر اثبات خالقية جميع العالم بالحق فاتضح ارتباط قوله : أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ [ الأحقاف : 4 ] الخ بما قبله قوله : أَرُونِي [ الأحقاف : 4 ] تأكيد لأرأيتم لما عرفت أن المراد أخبروني وكذا معنى أروني وقد جوز البدلية « 1 » وما استفهامية وذا اسم موصول أو هما اسم واحد بمعنى الاستفهام أي أي شيء من الأرض بيان لماذا وإنما صدر بقل تبكيتا والزاما لهم . قوله : ( وتخصيص الشرك بالسموات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في ايجاد الحوادث السفلية ) الباء داخل على المقصور عليه أي تخصيص الشركة بالسموات دون ما عداها من الأرض وما بينهما مع أنه لا شركة فيما عداها أيضا وأجاب « 2 » بأنه احتراز عما يتوهم أن للوسائط كالشمس والنجوم شركة في ايجاد الحوادث السفلية وفيه دلالة على أن ما تدعون عام للسماويات مثل الشمس وسائر الكواكب وقد عرفت أن الظاهر أن الخطاب لكفار مكة وهم عبدة الأصنام دون السماويات فإما أن يقال إن الخطاب عام لجميع المشركين أو أن بعض أهل مكة يعبدون نحو الشمس « 3 » وكلاهما خلاف الظاهر أو المعنى احتراز عما يتوهم أن للوسائط كالكسب والأمور العادية شركة في ايجاد الحوادث السفلية قوله : وتخصيص الشرك في السماوات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية معنى الاحتراز مستفاد من الاستفهام الإنكاري المدلول عليه بكلمة أم فإنها بمعنى بل والهمزة والمعنى بل الهم شرك في السماوات أي ليس لآلهتهم شركة في خلق السماوات وجه الاحتراز عما توهم هو دلالته على أن اللّه تعالى مستبد في خلق السماوات وأنه هو خالقها بالاستقلال ليس في خلقها شركة للغير إذ لو ثبت للسموات شركة في ايجاد السفليات يلزم أن لا يكون اللّه تعالى مستقلا في خلق السماوات والحاصل أن دخول السماوات تحت قهر سلطنة اللّه خلقا وملكا بالاستقلال ينافي شركتها له في ايجاد الحوادث السفلية والظاهر أن أخذ معنى الاحتراز من هذا التخصيص مبني على أن يكون المراد بالمخاطبين بقوله : أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ الأحقاف : 4 ] عبدة الكواكب الذين يسندون الحوادث السفلية إلى الكواكب واتصالاتها ومما يدعونه الكواكب فالآية نفت شركتها للّه تعالى في ايجاد الحوادث السفلية فعلى هذا يكون الظرف أعني في السماوات ظرفا مستقرا أي كائنين في السماوات لكنه ينافي ما ذكره في سورة فاطر من أن معناه أم لهم شرك في خلق السماوات فيكون ظرفا لغوا وينافي أيضا ما ذكره هنا من قوله هل يعقل أن يكون لها مدخل في خلق شيء من أجزاء العالم فإن السماوات من أجزاء العالم فيعلم من قوله في خلق شيء من أجزاء العالم أن تقدير في السماوات في خلق السماوات .
--> ( 1 ) أي بدل الاشتمال كما اختاره المص في سورة فاطر . ( 2 ) وهذا مما اختاره بعضهم لكن لا يلائم تقرير المص . ( 3 ) هذا صرح به السعدي لكن لا يخفى ما فيه من المخالفة لكلام المص .